ابراهيم بن عمر البقاعي
18
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما أفهم سؤاله هذا أن له فيه أغراضا ، أشار إلى أنها ليست مقصودة له لأمر يعود على نفسه بذكر العلة الحقيقية ، فقال : كَيْ نُسَبِّحَكَ أي بالقول والفعل بالصلاة وغيرها كَثِيراً * فأفصح عن أن المراد بالمعاضدة إنما هو لتمهيد الطريق إليه سبحانه . ولما كان التسبيح ذكرا خاصا لكونه بالتنزيه الذي أعلاه التوحيد ، أتبعه العام فقال : وَنَذْكُرَكَ أي بالتسبيح والتحميد كَثِيراً * فإن التعاون والتظاهر أعون على تزايد العبادة لأنه مهيج للرغبات ؛ ثم علل طلبه لأخيه لأجل هذا الغرض بقوله : إِنَّكَ كُنْتَ بِنا بَصِيراً * قبل الإقامة في هذا الأمر في أنك جبلتنا على ما يلائم ذكرك وشكرك ، وأن التعاضد مما يصلحنا ، وكل ذلك تدريب لمن أنزل عليه هذا الذكر على مثله وتذكير بنعمة تيسيره بلسانه ليزداد ذكرا وشكرا . ولما تم ذلك ، كان موضع توقع الجواب ، فأتبعه قوله : قالَ أي اللّه : قَدْ أُوتِيتَ بأسهل أمر سُؤْلَكَ أي ما سألته يا مُوسى من حل عقدة لسانك وغير ذلك ولو شئت لم أفعل ذلك ولكني فعلته منة مني عليك . ولما كان إنجاؤه من فرعون حيث ولد في السنة التي يذبح فيها الأبناء - قالوا : وهي الرابعة من ولادة هارون عليه السّلام - بيد فرعون وفي بيته أمرا عظيما ، التفت إلى مقام العظمة مذكرا له بذلك تنويرا لبصيرته وتقوية لقلبه ، إعلاما بأنه ينجيه منه الآن ، كما أنجاه في ذلك الزمان ، ويزيده بزيادة السن والنبوة خيرا ، فيجعل عزه في هلاكه كما جعل إذ ذاك عزه في وجوده فقال : وَلَقَدْ مَنَنَّا أي أنعمنا إنعاما مقطوعا به على ما يليق بعظمتنا عَلَيْكَ فضلا منا مَرَّةً أُخْرى * غير هذه ؛ ثم ذكر وقت المنة فقال : إِذْ أي حين أَوْحَيْنا أي بما لنا من العظمة إِلى أُمِّكَ أي بالإلهام ما يستحق لعظمته أن يُوحى * به ، ولا يعلمه إلا نبي أو من هو قريب من درجة النبوة ؛ ثم فسره بقوله : أَنِ اقْذِفِيهِ أي ألقي ابنك فِي التَّابُوتِ وهو الصندوق ، فعلوت من التوب الذي معناه الرجوع تفاؤلا به ، وقال الحرالي : هو وعاء ما يعز قدره ، والقذف مجاز عن